وهبة الزحيلي
116
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أدل دليل على شجاعته وجرأته ، فإن الشجاعة والجرأة : هما ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ففي ثباته واستدلاله بالآية : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ تثبيت للمؤمنين ، وقطع لدابر الفتنة ، واستئصال لأوهام ومقالات الجاهلين . وأما تأخر الصحابة عن دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع أن السنة تعجيل الدفن فلأمور ثلاثة : عدم اتفاقهم على موته ، وعدم علمهم بمكان دفنه ، حتى أخبرهم أبو بكر بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما دفن نبي إلا حيث يموت » « 1 » ، واشتغالهم بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة ، حتى انتهوا إلى بيعة أبي بكر رضي اللّه عنه في مبدأ الأمر ، ثم بايعوه في الغد عن رضا واتفاق شامل . ثم نظروا في دفنه عليه الصلاة والسلام وغسّلوه وكفنوه ، ثم صلوا عليه فرادى ، أخرج ابن ماجة بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس : « فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء ، وضع على سريره في بيته ، ثم دخل الناس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرسالا « 2 » يصلّون عليه ، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء ، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان ، ولم يؤمّ الناس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أحد . 4 - إن محمدا بشر كسائر الأنبياء ، وهم قد ماتوا ، وإن مهمة كل نبي وهي تبليغ الدين تنتهي بتحقيق الغرض المقصود ، ولا يلزم من ارتحالهم نقض رسالتهم . وإن المصائب التي تنزل بالإنسان لا صلة لها بكونه على حق أو باطل ، فقد يبتلى الطائع بأنواع المصائب ، والعاصي بأصناف النعم . 5 - الموت أمر حتمي مقضي به في أجل معين لا يتجاوزه ولا يتقدم عنه لحظة ، وكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميّت إذا بلغ أجله المكتوب له ، وهذا
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة والموطأ وغيرهما . ( 2 ) أرسالا : أفواجا وفرقا متقطعة ، بعضهم يتلو بعضهم ، واحدهم : رسل .